عبد الوهاب الشعراني
424
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يقول : من بنى منكم دارا فكأنما بنى على موج البحر . قال الشيخ عبد القادر الجيلي : وما أحسن تمثيله الدنيا بموج البحر ثم ينشد : أتبني بناء الخالدين وإنّما * مقامك فيها لو عقلت قليل لقد كان في ظلّ الأراك كفاية * لمن كلّ يوم يقتضيه رحيل ألا إنّ قطّاع الفيافي إلى الحمى * كثير وأمّا الواصلون قليل يعني فكما أن البناء لا يثبت على الموج فهكذا لا يثبت في الدنيا لأنها زائلة متحركة كتحرك الموج على الماء ا ه . وفي باب الطهارة من « الفتوحات المكية » ما نصه : أجمع أهل كل ملة ونحلة على أن الزهد في الدنيا مطلوب ، وكذلك إخراج ما مع الإنسان منها مطلوب ، وقالوا إن فراغ اليد من الدنيا أحب لكل عاقل خوفا على نفسه من الفتنة التي حذرنا اللّه منها بقوله : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ التغابن : 15 ] ا ه . ومن قواعد الرهبان أن لا يدخروا قوتا لغد ولا يمسكوا فضة ولا ذهبا . ورأيت شخصا قال لراهب انظر لي هذا الدينار هو من ضرب أي الملوك ؟ فلم يرض وقال النظر إلى الدنيا منهي عنه عندنا . ورأيت الرهبان مرة وهم يسحبون شخصا ويخرجونه من الكنيسة ويقولون له أتلفت علينا الرهبان ، فسألت عن ذلك فقالوا رأوا على عمامته نصفا مربوطا فقلت لهم ربط الدنيا عندكم مذموم ؟ فقالوا وعند نبيكم ا ه . فإذا كان هذا حال الرهبان ، ففقراء المسلمين المقيمون في الزوايا أولى بتركهم الدنيا وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النور : 46 ] . وروى ابن ماجة مرفوعا بإسناد حسنه بعضهم قال الترمذي وفيه بعد : « أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه دلّني على عمل إذا عملته أحبّني اللّه تعالى وأحبّني النّاس ؟ فقال : ازهد في الدّنيا يحبّك اللّه وازهد فيما في أيدي النّاس يحبّك النّاس » . قال الحافظ وليس في رواية من ترك ، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة ولا يمنع كون راويه ضعيفا أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم قاله ا ه . قلت : وهذا الحديث من الأربعة أحاديث التي عليها مدار الإسلام وقد نظمها بعضهم بقوله : عمدة الدّين عندنا كلمات * أربع من كلام خير البريّة اتّق الشّبهات وازهد ودع ما * ليس يعنيك واعملن بنيّة ا ه واللّه أعلم .